فصل: تفسير الآية رقم (117):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (111- 112):

{وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112)}
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً} أي ذنبا {فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ} أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً}
قيل: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيدا.
وقال الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد.
وقيل: الخطيئة ما لم تتعمده خاصة كالقتل بالخطإ.
وقيل: الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل النازلة وغيرهم.
قوله تعالى: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً}
قد تقدم اسم البرئ في البقرة. والهاء في: {بِهِ} للإثم أو للخطيئة. لان معناها الإثم، أو لهما جميعا.
وقيل: ترجع إلى الكسب. {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً} تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر فهي كالمحمولات. وقد قال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}. والبهتان من البهت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه برئ.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته». وهذا نص، فرمي البرئ بهت له. يقال: بهته بهتا وبهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وهو بهات والمقول له مبهوت. ويقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير. وبهت بالضم مثله، وأفصح منهما بهت، كما قال الله تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال: باهت ولا بهيت، قاله الكسائي.

.تفسير الآية رقم (113):

{وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)}
قوله تعالى: {وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ}
ما بعد {لَوْ لا} مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: {وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} بأن نبهك على الحق، وقيل: بالنبوءة والعصمة. {لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} عن الحق، لأنهم سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه. {وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم. {وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} لأنك معصوم. {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ} هذا ابتداء كلام.
وقيل: الواو للحال، كقولك: جئتك والشمس طالعة، ومنه قول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها

فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. {وَالْحِكْمَةَ} القضاء بالوحي. {وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} يعني من الشرائع والأحكام. و{تَعْلَمُ} في موضع نصب، لأنه خبر كان. وحذفت الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.

.تفسير الآية رقم (114):

{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)}
أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير، وذكروه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والنجوى: السربين الاثنين، تقول: ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ينتجون ويتناجون. ونجوت فلانا أنجوه نجوا، أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي خلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، قال الشاعر:
فمن بنجوته كمن بعقوته ** والمستكن كمن يمشي بقرواح

فالنجوى المسارة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ورضا. قال الله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوى}، فعلى الأول يكون الامر أمر استثناء من غير الجنس، وهو الاستثناء المنقطع. وقد تقدم، وتكون من في موضع رفع، أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير. ويجوز أن تكون من في موضع خفض ويكون التقدير: لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقة ثم حذف. وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة المنفردين، فتكون من في موضع خفض على البدل، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة. أو تكون في موضع نصب على قول من قال: ما مررت بأحد إلا زيدا.
وقال بعض المفسرين منهم الزجاج: النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا، وفيه بعد. والله أعلم. والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها.
وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أصح.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق».
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر.
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ** لا يذهب العرف بين الله والناس

وأنشد الرياشي:
يد المعروف غنم حيث كانت ** تحملها كفور أو شكور

ففي شكر الشكور لها جزاء ** وعند الله ما كفر الكفور

وقال الماوردي: فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندما، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا، كما قال الشاعر:
ما زلت أسمع كم من واثق خجل ** حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا

ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه». وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح». وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت.
وقال عبد الحميد: من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها.
وقال بعض الشعراء:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها ** فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها ** فما تدري السكون متى يكون

وكتب بعض ذوي الحرمات إلى وال قصر في رعاية حرمته:
أعلى الصراط تريد رعية حرمتي ** أم في الحساب تمن بالإنعام

للنفع في الدنيا أريدك فانتبه ** لحوائجي من رقدة النوام

وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته.
وقال بعض الشعراء:
زاد معروفك عندي عظما ** أنه عندك مستور حقير

تتناساه كأن لم تأته ** وهو عند الناس مشهور خطير

ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. وقد تقدم في البقرة بيانه.
قوله تعالى: {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى.
وفي الخبر: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى». فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن. وسيأتي في المجادلة ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله تعالى. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابي أيوب: «ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا».
وقال الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار.
وقال محمد بن المنكدر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل بهما حتى اصطلحا، فقال أبو هريرة وهو يراني: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد». ذكر هذه الاخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له، وجدته بخط المصنف في وريقه ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه. و{ابْتِغاءَ} نصب على المفعول من أجله.

.تفسير الآيات (115- 116):

{وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116)}
فيه مسألتان: الأولى: قال العلماء: هاتان الآيتان نزلنا بسبب ابن أبيرق السارق، لما حكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد، قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً}.
وقال الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ}. والمشاقة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و{الْهُدى}: الرشد والبيان، وقد تقدم. وقوله تعالى: {نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى} يقال: إنه نزل فيمن ارتد، والمعنى: نتركه وما يعبد، عن مجاهد. أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقاله مقاتل.
وقال الكلبي، نزل قوله تعالى: {نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى} في ابن أبيرق، لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له: حجاج بن علاط، فسقط فبقي في النقب حتى وجد على حاله، وأخرجوه من مكة، فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت: {نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً}. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو {نُوَلِّهِ} {وَنُصْلِهِ} بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان.
الثانية: قال العلماء في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ} دليل على صحة القول بالإجماع، في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} رد على الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدم القول في هذا المعنى.
وروى الترمذي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} قال: هذا حديث غريب. قال ابن فورك: وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى.
وقال الضحاك: إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} الآية.

.تفسير الآية رقم (117):

{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117)}
قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي من دون الله {إِلَّا إِناثاً}، نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و{إِنْ} نافية بمعنى ما. و{إِناثاً} أصناما، يعني اللات والعزى ومناة. وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم، فخرج الكلام مخرج التعجب، لأن الأنثى من كل جنس أخسه، فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى.
وقيل: {إِلَّا إِناثاً} مواتا، لأن الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لا تضاع المنزلة، تقول: الأحجار تجبني، كما تقول: المرأة تعجبني.
وقيل: {إِلَّا إِناثاً} ملائكة، لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله، عن الضحاك. وقراءة ابن عباس {إلا وثنا} بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس، وقرأ أيضا {وثنا} بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضا جمع وثن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت.
قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري- حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: {إن يدعون من دونه إلا أوثانا}. وقرأ ابن عباس أيضا {إلا أثنا} كأنه جمع وثنا على وثان، كما تقول: جمل وجمال، ثم جمع أوثانا على وثن، كما تقول: مثال ومثل، ثم أبدل من الواو همزة لما انضمت، كما قال عز وجل: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} من الوقت، فأثن جمع الجمع. وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إلا أثنا} جمع أنيث، كغدير وغدر.
وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر. حكى هذه القراءة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو عمرو الداني، قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حيوة.
قوله تعالى: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً} يريد إبليس، لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه، ونظيره في المعنى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. وسيأتي. وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان. والمريد:
العاتي المتمرد، فعيل من مرد إذا عتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة، وقد مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد ومتمرد. ابن عرفة: هو الذي ظهر شره، ومن هذا يقال: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيد انها، ومنه قيل للرجل: أمرد، أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه.